فصل: باب: غَسْلِ المُعْتَكِف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ صَوْمِ الدَّهْر

وقد مرَّ منا التنبيهُ على أن صومَ الدهر أن يَصُومَ السنةَ كلَّها غير الأيام المنهية، مع الفِطْرِ بعد الغروب‏.‏ فهو غيرُ الوِصَال، فإنه وصالُ صومٍ بصومٍ، بدون الإِفطار‏.‏ ولا خلافَ في كونه جائزًا وموجبًا للأجر، وإنما الخلافُ في أن الأفضلَ صومُ داود، أو صومُ الدهر‏؟‏ فالأفضلُ عندنا‏:‏ صومُ داود، وعند الشافعيِّ‏:‏ صومُ الدهر‏.‏ وعامةُ الأحاديث حُجَّةٌ للحنفية، وأقلُّها حُجَّةٌ لهم‏.‏ والحقُّ أن لا فَضْلَ في الأحاديث، لأن من يَرَى صَومَ الدهر مفضولا يحتجُّ بالنفي، وهو قوله‏:‏ «لا صَامَ ولا أَفْطَرَ»، ومن يَرَاهُ أفضل يَحْمِلُهُ على الشَّفَقَةِ، فأي فصلٍ هذا‏؟‏‏.‏

ووقع في بعض كُتُبِ الحنفية أنه مكروه، وكذا يوم عاشوراء منفردًا، مع كونه عبادةً عظيمةً، وكفَّارةً لسنةٍ واحدةٍ‏.‏ قلتُ‏:‏ كيف وقد صامه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عشر سنين، فهل يَجْتَرِىءُ أحدٌ أن يَحْكُمَ بالكراهة على أمرٍ فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وهل يُقْصَرُ النظر في مثله على قوله‏:‏ «لأَصُومَنَّ التاسعة»، أو يُنْظَرُ إلى فعله في الغابر أيضًا‏.‏ والذي ينبغي‏:‏ أن لا يُقْطَعَ النظرُ عمَّا فَعَلَهُ في الغابر أيضًا‏.‏ وكذلك صومُ الدَّهْرِ عِبادةٌ إجماعًا، إلا أنه مفضولٌ عندنا، مع الجواز بلا كراهةٍ‏.‏ وهكذا فَعَلَهُ صاحبُ «الدر المختار» في غير واحدٍ من العبادات، فأطلق عليها الكراهة، مع كونها مفضولةً فقط‏.‏ وهكذا فَعَلَهُ النوويُّ، فقال‏:‏ إن التمتعَ والقِرَانَ مكروهان مع كونهما عبادتان بلا خِلافٍ‏.‏ ولعلَّهم أَطْلَقُوا المكروهَ على معنى المفضول‏.‏ وأجدُ في باب الصيام أنهم أَطْلَقُوا المكرورهَ على المفضول أيضًا‏.‏ نعم ما أطلقوا عليه من المكروه في باب الصلاة، فهو كذلك في نفس الأمر‏.‏

1976- ثم إن قوله‏:‏ «ثلاثة من كلِّ شهرٍ، كصيام الدهر»- بالمعنى ، لا يقومُ حُجَّةً للحنفية، لأن قولَهُ‏:‏ كصيام الدَّهْرِ، وَقَعَ مَعْرِضَ التشبيه، فهو لِحَاظٌ ذهنيٌّ‏.‏ والذي ينبغي للمُشَبَّه به أن يكونَ أقوى، سواء كان بَحَسَبِ الخارج، أو بحَسَبِ الذِّهن‏.‏ وقد مرَّ منَّا غير مرةٍ واحدةٍ أن أخذَ المسائل من التشبيهات تمسُّكٌ ضعيفٌ جدًا‏.‏ أَلا تَرَى إلى قوله في باب الزكاة‏:‏ «من كلِّ أربعين دِرْهَمًا دِرْهَمٌ»، بيانٌ للحساب، والنظر فقط‏.‏ أي خمسة دراهم في مائتي دِرْهمٍ بهذا النظر، وبهذا الحساب‏.‏ فلم يَذْهَبْ هناك أحدٌ إلى أنه يَجِبُ في أربعين دِرْهَمًا دِرْهمٌ‏.‏

وهذا الذي رُوعِيَ في باب الوتر، حيث جعل الواحدةَ وترًا، لكونها موترًا ووترًا في لِحَاظٍ ذهنيَ، فإن الوِتْرِيَّةَ في ثُلُث الوتر ليست إلا من قبلها، وذلك في لِحَاظِ الذهن، فلا يُوجِبُ قطعها عمَّا قبلها‏.‏ ومَنْ قطعها عمَّا قبلها، أراد التنبيه على هذا اللِّحَاظ، فجعلوه مسألةً‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن صيامَ الدَّهْرِ في حديث الباب وقع في مَعْرِض التشبيه، فهو على لِحَاظ ذهنيَ، كوجوب دِرْهمٍ في الأربعين في باب الزكاة، وكواحدة الوتر في بابه كلُّ ذلك لِحَاظٌ ذِهْنيٌّ‏.‏ فإن سَمَحَتْ به قريحتُكَ، فَقِسْ عليه قوله صلى الله عليه وسلّم «فإنه لا صلاةَ لمن لم يَقْرأْ بها»، فإنه أيضًا لِحَاطٌ ذهنيٌّ‏.‏ أَلا تَرَى أنه نهى عن صيام الدهر، ثم نزَّل الثلاث من كل شهرٍ منزلة صيام الدهر، فهل تراهما يلتقيان على نقطةٍ واحدةٍ‏؟‏ كيف وإن حديثَ النهي يُوجِبُ الكفَّ عنه، وحديث التشبيه يقتضي فضله أيّ فضلٍ‏.‏

والوجه فيه‏:‏ أن حديثَ النهي وَرَدَ على شاكلة بيان المسألة، وحديث التشبيه تنزيليٌّ، وكاشفٌ عن لِحَاظ ذهنيَ فقط‏.‏ فهكذا في حديث عُبَادة‏:‏ «نهاهم أولا عن القراءة خلف الإِمام، وقال‏:‏ فلا تفعلوا- أي القراءة خلف الإِمام- ثم استثنى منه الفاتحة، وقال‏:‏ إلا بأمِّ القرآن»‏.‏ فهي على الاباحة، بل الإباحةُ المرجوحةُ قطعًا، ولا رائحةَ فيه للوجوب‏.‏ ثم علَّله، وقال‏:‏ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، فهل يناسب عندك تعليل الإباحة بما يفيد الوجوب وهل هذا إلا تناقضٌ‏؟‏ بل المعنى أنه حَكَمَ أولا بإِباحة الفاتحة، ثم ذَكَرَ لها لِحَاظًا ذهنيًّا، ووصفًا اعتباريًا، أوجب تحمُّلها للمقتدي، وقراءته إيَّاها في موضعٍ وَجَبَ له الإِنصات‏.‏

واللِّحَاظُ الذهنيُّ لا يَجِبُ أن يتحقَّقَ في ذلك الموضع بخصوصه‏.‏ بل كون الفاتحة بهذا الوصف، وإن كان باعتبار المُنْفَرِدِ أو الإِمامِ، جوَّزَ لنا أن نُلاحِظَ فيها هذا المعنى، ونقول بجواز قراءتها للمقتدي، نظرًا إليه‏.‏/

وقد صرَّح أحمدُ عند الترمذيِّ، وسُفْيَان، عند أبي داود‏:‏ أن قوله صلى الله عليه وسلّم «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بأمِّ القرآن»، في حقِّ المنفرد، فتحقَّق هذا الوصف في المُنْفَرِد، ولِحَاظُه في حقِّ المقتدي أيضًا‏.‏ ولعلَّك فَهِمْتَ الآن أن اللِّحَاظَ الذهنيَّ غيرُ الحكم، فإن الحكمَ مسألةٌ، واللِّحَاظُ الذهنيُّ اعتبارٌ مَحْضٌ‏.‏ ومن لا يفرِّق بين هذين يَخْبِط خَبْطَ عشواء، ويجعل اللِّحَاظَ حكمًا ومسألةً، ويَقَعُ في الأغلاط‏.‏

وقد ذَكَرْتُ في رسالة «الفاتحة خلف الإمام»‏:‏ أن في الأحاديث أشياء بقيت في اللِّحَاظ، ولم يَظْهَرْ بها العملُ كما سَمِعْتَ‏.‏ ومن الحنفية من تمسَّك بقوله صلى الله عليه وسلّم «من صَامَ الدَّهر ضُيِّقَتْ عليه جهنم» هكذا ذكره الحافظُ في «الفتح» روايةً عن ابن خُزَيْمة‏.‏ قلتُ‏:‏ وهذا خطأٌ‏.‏ فإن في الحديث وعيدًا عظيمًا على هذا التقدير، فكيف يكون في حقِّ صوم الدهر، فإنه جائزٌ عندنا أيضًا‏.‏ ورَامَ الحافظُ التقصِّي عنه‏.‏ وقال‏:‏ معناه إن جهنَّمَ تَبْتَعِدُ عنه، ولا يَزَالُ كذلك حتَّى يتنحَّى هكذا‏.‏ وطُولِبَ أنه ينبغي أن يكونَ لفظُ الحديث على هذا التقدير‏:‏ ضُيِّقَتْ عنه، مكان عليه، وعَجَزَ الحافظُ عن جوابه‏.‏

قلتُ‏:‏ والحلُّ أنه على حدِّ قوله‏:‏ ضاقت الجُبَّة على فلانٍ، إذا قَصُرَتْ عن جسده، ولم تَصْلُحْ له‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن جهنمَ تَضِيقُ دونه، فلا تَسَعُ له، كما أن الجُبَّةَ الصغيرة تَضِيقُ على الجسد، وهو مآلُ قوله‏:‏ «الصومُ جُنَّةٌ»‏.‏ وحينئذٍ ففي الحديث وعدٌ عظيمٌ، وفضلٌ كبيرٌ لمن صام الدهر، حتى إن جهنَّمَ مع سَعَتِهَا ضيِّقةٌ لمثله، ولا تَصْلُح له، فكيف يَدْخُلُها، فإنه ذو جُنَّةٍ‏؟‏ وكيف تَقْرُب صاحب المِجَنَّة‏.‏

ثم اعلم أن صومَ الدهر في التنزيل جاء على أنحاءٍ شتَّى، وفي بعضه يَسْتَقِيمُ حساب الحسنات بعشرٍ أمثالها، كثلاثٍ من كلِّ شهرٍ، وفي بعضه لا، فتنبَّه‏.‏

تنبيهٌ‏:‏ واعلم أن كثيرًا من باب الفضائل يَرِدُ بها الأحاديثُ القوليةُ‏.‏ ولا يَردُ بها الفعل، وليس يَلْزَمُ أن يَعْمَل بكلِّ فضيلةٍ كلُّ أحدٍ‏.‏ ولكن فضيلةٌ وفضيلةٌ، ورجلٌ ورجلٌ‏.‏ فالأذانُ ذكرٌ، وموجبٌ للفضل، إلا أن له رجالا، وكذلك الإِمامةُ أيضًا فضيلةٌ، ولها أيضًا رجالٌ‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ؛ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ؛ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 253‏)‏‏.‏

1976- قوله‏:‏ ‏(‏لا أَفْضَلَ من ذَلِكَ‏)‏، قاله في صيام داود، وذلك لتَجَاذُب الأطراف في صيام الدهر، فلا يُريدُ أن يرغِّب فيه، ولا يريد أن يَنْهى عنه صراحةً‏.‏ فلذا لم يأمره به في جواب قوله‏:‏ «إني أُطيقُ أكثَر من ذلك»، ولا نهى عنه صراحةً، ولكن قال‏:‏ لا أفضلَ من صيام داود، وهو دَأْبُ البُلَغَاء في مثل هذه المواضع‏.‏

باب‏:‏ حَقِّ الأَهْلِ في الصَّوْم

1977- قوله‏:‏ ‏(‏لا صَامَ من صَامَ الأَبَدَ‏)‏‏:‏ وذكروا له عِدَّةَ معانٍ، ويمكن أن يكونَ معناه‏:‏ أن التَّعَهُّدَ به عسيرٌ، بل متعذرٌ، كما كان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كَبِرَ‏:‏ «يا ليتني قَبِلْتُ رخصة النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فما ضَعِفْتُ عنه في تلك الأيام أيضًا، وإن أحَبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُهَا»‏.‏

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفطَارِ يَوْم

1978- قوله‏:‏ ‏(‏حتى قال‏:‏ في ثلاثٍ‏)‏، ولم يَرِدْ في الأحاديث أقلُّ منه، مع أن العلماءَ والصُّلَحَاء قد قرؤوا القرآن كلَّه في أقلَّ منها أيضًا‏.‏

باب‏:‏ صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلام

باب‏:‏ صِيَامِ أَيَّامِ البِيضِ‏:‏ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَة

باب‏:‏ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفطِرْ عِنْدَهُم

1979- قوله‏:‏ ‏(‏نَفِهَتْ له النَّفْسُ‏)‏، أي عَجَزَت‏.‏ وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص هذه عند النَّسائي مُخْلَطَةٌ عظيمةٌ، فَلْيُتَنَبَّهْ، إلا أن ضيقَ الوقت لا يرخِّص لي أن أَذْكُرَهَا مُفَصَّلَةً‏.‏

باب‏:‏ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْر

1983- قوله‏:‏ ‏(‏من سَرَرِ شَعْبَان‏)‏، قيل‏:‏ بمعنى أوائله‏.‏ وقيل‏:‏ بمعنى أوساطه، والأكثرون إلى أنه بمعنى أَوَاخِره‏.‏ والحديث فيمن كان الصومُ في آخر الشهر عادةً له‏.‏ وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه حديث النهي عن التقدُّم على رمضان بيومٍ أو يومين‏.‏

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَة

باب‏:‏ هَل يَخُصُّ شَيئًا مِنَ الأَيَّام

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَة

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمِ الفِطر

وفي «الدُّرِّ المختار»‏:‏ أنه مكروهٌ‏.‏ قلتُ‏:‏ كلاّ، بل يُمْكِنُ أن يكونَ مفضولا‏.‏ وذلك أيضًا بالنظر إلى الوجوه الطارئة والعوارض الخارجية، كفساد عقائد الناس‏.‏ أمَّا النهيُ عن السبت، فلأجل التشبُّه باليهود‏.‏

باب‏:‏ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْر

واعلم أن يومَ الفِطْرِ والنَّحْرِ لمَّا كانا يومي عيدٍ، فكيف الصوم فيهما، وحينئذٍ معنى النهي فيهما أظهر‏.‏

1993- قوله‏:‏ ‏(‏يُنْهَى عن صِيَامَيْنِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وإنما ذكر النهيَ عن البَيْعَتَيْن، مع النهي عن صومين، لأنه أراد الجمعَ بين الثِّنْتَيْن‏.‏

1994- قوله‏:‏ ‏(‏جَاءَ رجلٌ إلى ابن عمر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وصورة جوابه ذكرها المُحَشِّي‏.‏

باب‏:‏ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيق

وهي أيضًا مكروهةٌ عندنا تحريمًا‏:‏ القَارِنُ، والمُتَمَتِّعُ، وغيرهما سواء‏.‏ ورُوِيَ عن عائشةَ رخصة في حقِّها، عند الطحاويِّ‏.‏ ولنا‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم نَهَى عن صيام هذه الأيام من غير فصلٍ‏.‏ ولعلَّ عائشةَ، وابن عمر أخذاه من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ،‏(‏البقرة‏:‏ 196‏)‏ ولم يَبْلُغْهُمَا النهي‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ وراجع الطحاويَّ‏.‏

ثم لا يخفى عليك أنه ما الفرقُ بين الصلاة والصيام، حيث حَمَلُوا النهيَ الواردَ في باب الصلاة على الكراهة في أكثر المواضع، بخلاف الصيام، فإنهم لم يَحْمِلُوه على الكراهة إلا في العيدين وأيام التشريق‏.‏ فالوجهُ أن كلَّه من مراحل الاجتهاد‏.‏ ولمَّا لم يَرَوْا النهيَ عن الصيام في تلك الأيام يَبْلُغُ مبلغ الكراهة، واستشعروا في باب الصلاة أن النهيَ عنها في جملة المواضع لمعنى الكراهة، حَمَلُوه في الصيام على معانٍ أخرى، وفي الصلاة على معنى الكراهة‏.‏

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمِ عاشُورَاء

وهو عاشرُ المحرَّم‏.‏ وما نُسِبَ إلى ابن عباس أنه التاسعُ فليس بشيءٍ، لما رَوَى الترمذيُّ، قال‏:‏ «أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم بصوم عاشوراء، يوم العاشر»، وإنما أراد أن السُّنة أن يَصُومَ التاسعَ معه، لا أنه عَاشُورَاء، فحسب‏.‏

2004- قوله في حديث ابن عباس‏:‏ ‏(‏قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم المدينةَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وفيه إشكالٌ عويصٌ، وهو أنه يُسْتَفَادُ من التوراة أن موسى عليه السلام إنما نُجِّي في عاشر تشرين الأول، وهو غير عاشر المحرَّم‏.‏ وأيضًا في «معجم الطبرانيِّ»، عن زيد بن ثابت‏:‏ «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لمَّا دَخَلَ المدينةَ، وجد اليهود قد صَامُوا عَاشُورَاء، فسأل عن ذلك اليوم، فقالوا‏:‏ هذا يومٌ خلَّص الله فيه نبيَّه موسى عليه السلام، فنحن نَصُومُهُ شكرًا، قال‏:‏ فنحن أحقُّ»، مع أن الشهرَ الذي دَخَلَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم المدينة كان ربيع الأول‏.‏ فكيف أن يكونَ هذا اليوم يوم عاشوراء‏؟‏ وقد أَجَبْتُ عن الإِشكالين في مقالةٍ لي بمجلة «القاسم» مبسوطًا، فلتراجع‏.‏

تنبيهٌ‏:‏ واعلم أن من يَقْسِمُون الطعام على المساكين بعد غروب الشمس من يوم عَاشُوراء، أو من الغد، فليسوا يُحْرِزُون من صواب التصدُّق في ذلك اليوم شيئًا، فينبغي أن يُقْسَمَ الطعام قبل الغروب، ليقع التصدُّق في العاشر، لا في الحادي عشر‏.‏

كتاب‏:‏ صَلاةِ التَّرَاوِيح

باب‏:‏ فَضْلِ مَنْ قامَ رَمَضَان

وقد مرَّ منا التحقيقُ في القيام في كتاب الإِيمان‏:‏ أن المقصودَ منه القيام للصلاة، أو إحياء الليل فحسب‏.‏

2010- قوله‏:‏ ‏(‏فقال عُمَرُ‏:‏ إني أرى لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارِىءٍ واحدٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ قد مرَّ الكلامُ على جملة أجزاء هذا الحديث، فلا نُعِيدُه‏.‏

واعلم أنه ذَهَبَ جماعةٌ من الحنفية إلى أن التراويحَ في البيت أفضل لمن كان حافظَ القرآن، ومن لا يكون كذلك، فالأفضل له أن يَحْضُرَ الجماعةَ يستمع الذكر‏.‏ وذَهَبَ جماعةٌ إلى أن الفضلَ في حضور الجماعة مطلقًا‏.‏ وجَنَحَ الطحاويُّ إلى الأول، وهو الأرجح، فإنه ثَبَتَ عن كِبَار الصحابة أنهم كانوا يُصَلُّونها في البيت‏.‏ وهذا عمر لم يكن يُصَلِّيها بالجماعة، مع كونه أميرًا، فكان ينبغي له أن يَخْرُجَ إليهم، فإن الإِمامةَ إذ ذاك كانت مختصةً بالأمير‏.‏ نعم ينبغي للعلماء أن لا يُفْتُوا به، فإن من لا يأتي الجماعةَ يُوشِكُ أن لا يصلِّيها رأسًا‏.‏ وهذا هو الحال في السُّنن، فإن الأفضلَ فيها أن تُصَلَّى في البيوت، إلا أنه ينبغي الفَتْوَى بأدائها في المسجد، لئلا يَحْتَالَ المُتَكَاسِلُون في تركها‏.‏ وثَبَتَ عن عليَ أنه أمَّ بالكوفة في التراويح‏.‏

وأمَّا عددُ ركعات التراويح، فقد جاء عن عمر على أنحاءٍ، واستقرَّ الأمر على العشرين مع ثلاث الوتر‏.‏ ويُعْلَمُ من «موطأ مالك»‏:‏ أنه خفَّف في القراءة، وزاد في الركعات بتنصيف القراءة، وتضعيف الركعات‏.‏ وبعد ما تَلَقَّتْهُ الأمةُ بالقَبُول، لا بحثَ لنا أنه كان ذلك اجتهادًا منه، أو ماذا‏؟‏ ومَن ادَّعى العملَ بالحديث، فأَوْلَى له أن يُصَلِّيها حتى يخشى فوت الفلاح، فإن هذه صلاة النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في اليوم الآخر‏.‏ وأمَّا من اكتفى بالركعات الثمانية، وشذَّ عن السواد الأعظم، وجعل يَرْمِيهم بالبدعة، فَلْيَرَ عاقبته، والله تعالى أعلم‏.‏

كتاب‏:‏ فَضْلِ لَيلَةِ القَدْر

باب‏:‏ فَضْلِ لَيلَةِ القَدْر

قوله‏:‏ ‏(‏خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ‏)‏، وهو بالحساب ثمانون سنةً وشيءٌ، وإنما رُفِعَ علمها ليَلْتَمِسَها الناسُ، فَيُحْرِزُوا مزيدَ الأجر، والله تعالى أعلم‏.‏ وهذا نظير ما قاله الرازي في إبهام الصلاة الوسطى‏.‏

باب‏:‏ التِماسِ لَيلَةِ القَدْرِ في السَّبْعِ الأَوَاخِر

وقد مرَّ مني التنبيه على أن تلك الليلة، وإن كانت في الأوتار، إلا أن المأمورَ بالقيام هو العشرة بتمامها، الأَشْفَاعُ والأَوْتَارُ، كلُّها سواء، وإليه يُشِيرُ قوله صلى الله عليه وسلّم في حديث الباب‏:‏ «فمن كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ»، ويُخَالِفهُ ما أخرجه البخاريُّ في الباب الآتي‏:‏ «تَحَرَّوْا ليلةَ القدر في الوِتْر من العَشْرِ الأَوَاخِر من رمضان»، فإنه يُشْعِرُ بابتغائها في الأوتار خاصةً‏.‏ والوجه عندي‏:‏ أنه قد تبيَّن عندنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم اعتكف في العشرة الأخيرة من رمضان، وأمر باعتكافها‏.‏ أمَّا الأمرُ بالاجتهاد في الأوتار، فَيُبْنَى على الظن بالأغلب على كونها فيها، دون الاقتصار عليها‏.‏ ويَدُلُّ على ما قلنا قولُه صلى الله عليه وسلّم «فابْتَغُوهَا في العَشْرِ الأَواخِرِ، وابْتَغُوها في كلِّ وِتْرٍ»‏.‏

باب‏:‏ تَحَرِّي لَيلَةِ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِر

2021- قوله‏:‏ ‏(‏في تاسعةٍ تَبْقَى‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ واعلم أن الأحاديثَ في الأمر بإِحياء العشر وَرَدَتْ بنحوين‏:‏ إمَّا بالإِحياء بمجموعة، أو الإِحياء بأوتاره خاصةً، ولم تَرِدْ بإِحياء الأَشْفَاع خاصةً‏.‏ ثم إن التاسعة، والسابعة، والخامسة أَشْفَاعٌ، إن كان الشهر ثلاثين، وإلا فهي أوتارٌ‏.‏ والأسهلُ عندي أن يُقَال‏:‏ إنه يُبْنَى على اختلاف تعديدها، فإن عَدَدْتَهَا من الأول إلى الآخر تكون هذه أشفاعًا، وإن عَدَدْتَهَا من الآخر إلى الأول تكون أوتارًا، وهذه صورتها‏:‏

21- 22- 23- 24- 25- 26- 27- 28- 29- 30- 9- 8- 7- 6- 5- 4- 3- 2- 1

فالثانيةُ والعشرون شفعٌ من وجهٍ، ووِتْرٌ من وجهٍ‏.‏ فإن أَخَذْتَ الحساب من الأول، فهي شَفْعٌ، وإن أَخَذْتَهُ من الآخر، فهي وِتْرٌ، فإنها التاسعةُ، كما ترى فيما صوَّرْنَاهُ‏.‏ وقِسْ عليها الباقيةَ، فإن ليلة الثلاثين شَفْعٌ على الحساب المعروف، ووِتْرٌ على غير المعروف‏.‏ وهذا وإن لم يَقْرَعْ سمعَكَ، لكنه يُحْتَمِلُ أن يكونَ مرادًا‏.‏ فإنه كما وَرَدَ الإِبهامُ في أيامها، كذلك يُمْكِنُ أن يكونَ وَرَدَ في حسابها أيضًا، فهو إبهامٌ في إبهامٍ‏.‏ وعلى هذا تبيَّن الجوابُ عمّا ذَكَرَهُ البخاريُّ عن ابن عباس‏:‏ «الْتَمسُوها في أربعٍ وعشرين» فإنها سابعةٌ، وهي وِتْرٌ إن أُخِذَتْ في الحساب من الآخر‏.‏ وللحافظ ههنا كلامٌ غير واضحٍ، والأسهلُ ما قُلْنَا‏.‏

2022- قوله‏:‏ ‏(‏في تِسْعٍ يَمْضِينَ، أو في سَبْعٍ يَبْقَيْنَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وهذا وإن كان الشهرُ تسعًا وعشرين‏.‏ فظاهرٌ‏.‏ وإلا، فالوجهُ ما قُلْنَا، والتفصيلُ ما حرَّرنا‏.‏

باب‏:‏ رَفعِ مَعْرِفَةِ لَيلَةِ القَدْرِ لِتَلاحِي النَّاس

باب‏:‏ العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان

وفي «الفتح» روايةٌ قويةٌ، تَدُلُّ على رفع أصلها‏.‏ والمرادُ منه‏:‏ الرفعُ من تلك السنة فقط‏.‏ ولعلَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أُعْطِي علمها من تلك السنة، وهو الذي رُفِعَ عنه‏.‏

2023- قوله‏:‏ ‏(‏تلاحَى رَجُلان‏)‏، قيل‏:‏ هما‏:‏ كعب بن حداد، ورجلٌ آخر قلت‏:‏ ويمكن أن يكونَ غيرهما‏.‏

كتاب‏:‏ كِتَابُ الاعْتِكَاف

باب‏:‏ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالاعْتِكَافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا

باب‏:‏ الحَائِضِ تُرَجِّلُ رَأْسَ المُعْتَكِف

باب‏:‏ لا يَدْخُلُ البَيتَ إِلا لِحَاجَة

باب‏:‏ غَسْلِ المُعْتَكِف

وهو سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ على الكِفَايَةِ، وبالنَّذْرِ يكون واجبًا‏.‏ والنَّذْرُ عندنا عملُ اللسان، لا نِيَّةُ الجنان فقط‏.‏

باب‏:‏ الاِعْتِكَافِ لَيلا

باب‏:‏ اعْتِكَافِ النِّسَاء

باب‏:‏ الأَخْبِيَةِ فِي المَسْجِد

واختار ابن الهُمَام أنه يُشْتَرَطُ الصوم للاعتكاف مطلقًا، وإن كان بساعةٍ‏.‏ ولا يُشْتَرَط في النفل عند «البحر»، وكذا في «المبسوط»، وهو الأصوبُ عندي‏.‏ ولا دليلَ في حديث الباب، فإن في اللفظ الآخر «أَعْتَكِف يومًا» مكان‏:‏ «ليلةً»‏.‏

2032- قوله‏:‏ ‏(‏فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ‏)‏، ولنا أن نَحْمِلَهُ على الاستحباب إن كان نَذْرُهُ قبل الإِسلام‏.‏

باب‏:‏ هَل يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوائِجِهِ إِلَى بَابِ المَسْجِد

باب‏:‏ الاعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم صَبِيحَةَ عِشْرِين

باب‏:‏ اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَة

باب‏:‏ زِيَارَةِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِه

باب‏:‏ هَل يَدْرَأُ المُعْتَكِفُ عَنْ نَفسِه

2035- قوله‏:‏ ‏(‏عند باب أُمِّ سَلَمَةَ‏)‏، وهذا الباب في الطريق‏.‏ أمَّا بيتها، فكان في دار أُسَامَة، كما سيجيء‏.‏

باب‏:‏ مَنْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْح

2040- قوله‏:‏ ‏(‏فلمّا كان صَبِيحَةَ عِشْرِين نَقَلْنَا مَتَاعَنَا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي أمرنا الناسَ أن يَنْقُلوا متاعنا، لأن الخروج لا يكون إلا بعد الغروب‏.‏

باب‏:‏ الاعْتِكَافِ فِي شَوَّال

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيهِ صَوْمًا إِذَا اعْتَكَف

باب‏:‏ إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أَسْلَم

باب‏:‏ الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَان

باب‏:‏ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُج

باب‏:‏ المُعْتَكِف يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيتَ لِلغُسْل

وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم اعْتَكَفَ فيه قضاءً عن اعتكافه‏.‏

كتاب‏:‏ البُيُوع

قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏{‏وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَواْ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ، هذا جوابٌ عن قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَواْ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 275‏)‏، وحاصلُ الجواب‏:‏ أنكم كيف حَكَمْتُم بالتَّسْوِيَةِ بين البيع والرِّبَا، مع الفرق الجليِّ بينهما‏؟‏ فإن البيعَ حلالٌ، والرِّبا حرامٌ‏.‏ قيل‏:‏ والأوضحُ في مرادهم‏:‏ إنما الرِّبَا مثل البيع، أي فَلْيَكُنْ أيضًا حلالا، كالبيع، وقال الشيخُ ناصر الدين بن المنير‏:‏ إن كلا التَّرْكِيْبَدْ صحيحٌ‏.‏ وحاصلُ كلامهم‏:‏ أن البيعَ والرِّبا كالشيء الواحد، فإِمَّا أن يكونَ البيعُ أيضًا حرامًا كالربا، أو يكون الرِّبا أيضًا حلالا كالبيع‏.‏ وذلك هو الفرقُ بين التركيبين، والمعنى فيهما واحدٌ، وهو عدم الفرق‏.‏ وهدى القرآنُ إلى الفرق بينهما، وعدم صحة قياس أحدهما على الآخر، كما رَأَيْتَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ،‏(‏البقرة‏:‏ 282‏)‏ وترجمته ‏(‏دست كردان‏)‏، والتجارةُ الحاضرةُ احترازٌ عن بَيْع السَّلَمِ‏.‏

باب‏:‏ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون‏.‏ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين‏}‏ ‏(‏الجمعة‏:‏10‏)‏

ولمَّا كان الله سبحانه نهاهم عن البيع بعد نداء الجمعة، وأمرهم بالسعي إلى ذكر الله، عقَّبَهُ بانتهاء النهي بعد انقضاء الصلاة، وعَوْدِ الإِباحة الأصلية، فأَمَرَهُمْ بالانتشار في الأرض لِيَبْتَغُوا من فضل الله‏.‏

2047- قوله‏:‏ ‏(‏على ملأ بَطْني‏)‏، ورَسْمُ الخط فيه‏:‏ أن تُكْتَبَ الهمزة على الألف لا بعدها، وهكذا الرسمُ في همزة «امرأة»‏.‏

2047- قوله‏:‏ ‏(‏فما نَسِيتُ من مَقَالَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلّم تلك من شيءٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن هذا اللفظ يُوهِمُ أن عدم نسيان أبي هريرة يَقْتَصِرُ على تلك المقالة فقط، مع أن الظاهرَ عمومُه لكل ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد ذلك، ولذا كان أحفظَهم للأحاديث، وهو الذي يُلائِم شِكَايته إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ودعائه له‏.‏ فأخرج البخاري قُبَيْل باب فضائل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلّم عن أبي هُرَيْرَة، قال‏:‏ قلتُ‏:‏ يا رسول الله، إني سَمِعْتُ منك حديثًا كثيرًا، فأنساه، قال‏:‏ ابسط رداءك، فَبَسَطْتُه، فغرف بيده فيه، ثم قال‏:‏ ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ، فما نَسِيتَ حديثًا بعدُ» اهـ‏.‏ فَدَلَّ على أن شَكْوَاه كانت في نسيان الأحاديث التي سَمِعَها منه، وأنه إذ دعا له النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لم يَنْسَ بعده حديثًا من أحاديثه‏.‏ فإذن هو عامٌّ للأحاديث مطلقًا، وإنما جاء الإِيهام والإِبهام من تصرُّفات الرواة في التعبير، فَلْيَحْمِلْهُ على ما قُلْنَا، ولا ينبغي الجمود على الألفاظ بعد تبيُّن المراد‏.‏

2048- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ زِنَةَ نَوَاةٍ من ذهبٍ، أو نَوَاةً من ذَهَبٍ‏)‏، واعلم أن نَوَاةً من ذهبٍ مَخْصُوصَةٌ في اصطلاحهم بخمسة دَرَاهِم‏.‏ وأما زِنَةُ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ فهي عامةٌ، بالغةً ما بلغت، فإنها يُمْكِنُ أن تزيدَ على عشرة دَرَاهِم أيضًا‏.‏

باب‏:‏ الحَلالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَينَهُمَا مُشَبَّهَات

وقد تكلَّمنا عليه في كتاب الإِيمان، ونبَّهناك على أن الحديثَ جليلٌ لاشتماله على ضابطةِ الحلال والحرام من قِبَلِ صاحب الشرع‏.‏ ولاحَظَّ فيه للآخرين، فإنا لا ندري ماذا أُرِيدَ بكون الحلال والحرام بيِّنًا‏.‏ فإنا كثيرًا ما نجدهما غير بيِّنين، تجري فيهما الأفكار، وتختلف فيهما الأنظار‏.‏ وصنَّف فيه الشوكانيُّ رسالةً، وليس لها مُحَصِّل غير حلِّ الألفاظ، وذلك القدر هو المرجو من أمثاله لا غير‏.‏

باب‏:‏ تَفسِيرِ المُشَبَّهَات

ولعَمْرِي أن المصنِّفَ أَبْدَعَ في التراجم، فبوَّب أولا في تفسيره ليتعيَّن مِصْدَاقه في ذهنك، ثم بوَّب بما يُسْتَحَبُّ التجنُّب عنها، ثم بوَّب بالوساوس، لِيَدُلَّ على الفرق بين الشُبُهَات والوساوس‏.‏ فإن الاحتراز عن الشبهات استبراء للدِّين، والاعتداد بالوساوس إفسادٌ له‏.‏

ثم إن ما ذكره المصنِّف من تفسيره عن حَسَّان ليس تفسيرًا له، فإن قوله‏:‏ «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»، لم يُفِدْ له شيئًا، وإنما دَلَّ حسانٌ على صورة العمل فقط، لا أنه شَرَحَ الحديث‏.‏ وراجع لتحقيقه «عقيدة الإِسلام»، وأَوْفَى منه من حاشيته «تحية الإِسلام»‏.‏ وأخرجه التمذيُّ أيضًا، وفيه‏:‏ «وبين ذلك أمورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لا يدري كثيرٌ من الناس أَمِنَ الحلال أم من الحرام»‏.‏ اهـ‏.‏

وهذا يَدُلُّ على أن المرادَ من الاشتباه‏:‏ الاشتباهُ في الأوصاف، والحكم‏.‏ وفي «الفتح»‏:‏ إن المُشَبَّهَاتِ هي المباحات‏.‏ فقد اعتبرها بحسب الحقيقة دون الحكم‏.‏ فإن حكمَ المباحات معلومٌ‏.‏ والمعنى أن من أتى سائر المباحات حتى لم يَبْقَ بعدها إلا المحرَّمات، أَوْشَكَ أن يَقَعَ فيها، فلا بُدَّ لاستبراء الدِّين إن يَتْرُكَ حصةً من المباحات أيضًا‏.‏ بخلاف ما عند الترمذيِّ، فإنه يَدُلُّ على أن المرادَ به الاشتباهُ في الحكم، فافهم‏.‏ وقد مرَّ الكلامُ على لفظ المُتَشَابِه، والمُشَبَّه، والمُشْتَبِه في كتاب الإِيمان‏.‏ فإن التَّشَابُهَ يقتضي عدم علم المراد كالمُتَشَابِهَات في القرآن‏.‏ ومقتضى الثاني‏:‏ الإِشارةُ إلى القياس الفِقْهِي‏.‏ ومقتضى الثالث‏:‏ عدم علم الحكم‏.‏

2052- قوله‏:‏ ‏(‏كَيْفَ وقَدْ قِيلَ‏)‏، قد مرَّ في العلم‏:‏ أنه محمولٌ عندنا على الدِّيانة، كما مرَّ عن الرَّمْلي‏.‏

2053- قوله‏:‏ ‏(‏كان عُتْبَةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخِيه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن العربَ كانوا يَزْنُون بامرأةٍ واحدةٍ، فإذا أَتَتْ بولدٍ وادَّعَاهُ واحدٌ منهم، ثَبَتَ عندهم نَسَبُهُ منه، وكان يُلْحَقُ به فإذا أشرف عُتْبَة على الموت- وهو الشقيُّ الذي أُصِيْبَ منه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ما أُصِيبَ يوم أحدٍ، ومات على الكُفْر- أَوْصَى أخاه سعد بن أبي وقَّاصٍ على عادتهم في الجاهلية‏:‏ أنه زَنَى بوليدة زَمْعَة، وولدها منه، ليأخذه بعد وفاته، فإنه ابن أخيه‏.‏ فلمَّا وَلَدَتْهُ، أراد سَعْدُ أن يأخذَ ابن أخيه‏.‏ وأبى عبد بن زَمْعَة أن يُعْطِيه، فإنه كان أخوه وابن أبيه، فَتَخَاصَمَا في ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وقصَّا عليه أمرهما، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لعبد بن زَمْعَة‏:‏ «هو لك»، ثم قال‏:‏ «الولد للفِرَاش، وللعاهر الحجر»‏.‏ ولمَّا كانت تلك الوليدة فِراشًا، ومملوكةً لزَمْعَة، أَسْلَمَ وَلَدَها إلى أخيه، ولم يُلْحِقْهُ بعُتْبَة، وأمر لسَوْدَة بنت زَمْعَة أن تَحْتَجِبَ من هذا الولد الذي ادَّعاه عُتْبَة أنه منه‏.‏ هذا مُلَخَّص ما في الحديث‏.‏

‏(‏الخلاف في ثبوت النسب من السُّرِّيَّة‏)‏

فاختلفت فيه أنظار الأئمة، فقال الشافعيةُ‏:‏ معنى قوله‏:‏ «هو لك»، أي «هو أخوك» كما في رواية البخاريِّ في المغازي‏.‏ وقال الحنفيةُ‏:‏ معناه هو لك، أي مِلْكًا، لا أنه أخوك نَسَبًا، كما في «مسند أحمد»، والنَّسائي «ليس لك بأخٍ»، وصحَّحه الذهبيُّ في «الميزان» في ترجمة يوسف بن عدي‏.‏ وذلك لأنهم اخْتَلَفُوا في ثبوت النَّسَبِ من السُّرِّيَّة، هل تُشْتَرَطُ له الدعوى أو لا‏.‏

فذهب الحنفيةُ إلى أن فِرَاشَهَا ضعيفٌ، فلا يَثْبُتُ النَّسَبُ منها إلا إذا ادَّعاه المَوْلَى‏.‏ فإذا فعله صارت له أم ولد، وحينئذٍ لا يَحْتَاجُ إلى دعوةٍ لكونها فِرَاشًا متوسِّطًا إذ ذاك‏.‏ أمَّا إذا كانت قِنَّة، ولم تَصِرْ أم الولد، فلا يَثْبُتُ النَّسَبُ منه بدون الدعوة‏.‏

وذهب الشافعيُّ إلى أنه لا حاجة إلى الدعوة بعد التحصين، وهو عنده‏:‏ أن يَحْبِسَها في البيت، ولا يَدَعَها تتبرَّج تبرُّج الجاهلية‏.‏ وراجع تفسيره عندنا من «مبسوط السَّرَخْسِي»، فإنه لم يحقِّقه غيره وحينئذٍ يَثْبُتُ نَسَبُه من غير دعوةٍ، لكون الظاهر كونه منه دون غيره، فَيَثْبُتُ عندهم النسب في الصورة المذكورة، ويكون قوله‏:‏ «هو أخوك»، محمولا على ظاهره‏.‏ أمَّا قوله‏:‏ «ليس لك بأخ»، فهو عندهم معلولٌ، أعلَّه البيهقيُّ‏.‏ وأمرُ الاحتجاب عندهم محمولٌ على الاحتياط‏.‏

والحاصل‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم مشى في حق عبد على القضاء، فَيَتَوَارَثُ منه‏.‏ وعلى الدِّيانة في حقِّ سَوْدَة، فأمرها بالحجاب، وأمر كلاًّ منهما ما كان أَصْلَح لهما‏.‏ وقال الحنفيةُ‏:‏ إنه لم يُرِدْ بقوله‏:‏ «وهو لكَ أخٌ» أخوة النسب، كيف وأنه قال لسَوْدَةَ‏:‏ «احْتَجِبي منه»، مع أنها كانت بنت زَمْعَةَ أيضًا، وهل يُمْكِنُ أن يكون هذا الولد أخًا لعبد بن زَمْعَةَ، ثم لا يكون أخًا لسَوْدَةَ بنت زَمْعَة‏؟‏ وهل يُنَاسِبُ الأمر بالحِجَاب، بعد كونه أخًا في حقِّه خاصةً، فَيُؤْخَذُ به‏.‏ أمَّا تَعَلُّلهم بالإِعلال، فلا يُسْمَعُ بعد تصحيح الذهبيِّ، وتأييد لفظ البخاريِّ‏:‏ «احْتَجِبي»، فإنه في معنى قوله‏:‏ «ليس لك بأخٍ»‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن نَسَبَهُ لم يَثْبُتْ عندنا من زَمْعَةَ، لكونها وَلِيدَةً له، ولا يَثْبُتُ النَّسَبُ منها بدون الدعوة، ولم تُوجَد‏.‏ وكذا لم يَثْبُت من عُتْبَةَ، وإن ادَّعاه لكونه زانيًا، وللعاهر الحجر بنصِّ الحديث‏.‏ وقال مولانا شيخ الهند‏:‏ إن لفظَ الراوي أيضًا يَدُلُّ على أنه فَهِمَ عين ما فَهِمَهُ الحنفية، فإنه قال‏:‏ ابن وَلِيدَة زَمْعَةَ، ولم يَقُلْ‏:‏ ابن زَمْعَةَ، مع أن الظاهرَ ابن زَمْعَةَ، فنسبتهُ إلى أمِّهِ أوضحُ القرائن على أن نَسَبَهُ لم يَثْبُتْ من أبيه في ذهن الراوي أيضًا‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن اللفظَ الواحدَ يُؤَيِّدُ الحنفية‏.‏ والآخر الشافعية‏.‏ ومرَّ عليه الشيخُ ابن الهُمَام في «التحرير»، وقال‏:‏ لِمَ لا يجُوزُ أن تكونَ تلك الوليدة أم ولده‏؟‏ كما يُشْعِرُ به لفظ «الوليدة»، وهي مشتقةٌ من الولد، فهي حقيقةٌ في أم الولد، وإطلاقها في القنة توسُّعٌ، وحينئذٍ لا بأس بثبوت النَّسَبِ منه عندنا أيضًا‏.‏

قلتُ‏:‏ ولكن يُشْكِلُ عليه لفظ‏:‏ «ليس لك بأخ» فإنه صريحٌ في عدم ثبوت النسب المُسْتَلْزِم لعدم كونها أمَّ الولد‏.‏ ولذا ترجمته في «الهندية» ‏(‏باندى‏)‏، لا بأم الولد‏.‏ قلتُ‏:‏ وتَتَبَّعْتُ له تفسيرَ ابن جرير، فوجدت فيه‏:‏ أن تلك الوَلِيدة كانت من بغايا مكة، فأين الشافعية، وأين ثبوت النَّسَبِ‏؟‏ فإنه يُبْنَى عندهم على التحصين، وإذا انعدم التحصين، انْعَدَمَ ما يُبْنَى عليه‏.‏ وتكلَّم الشيخ عمرو بن الصلاح من جانب الشافعية كلامًا جيدًا، نقله الحافظ في «الفتح»، فراجعه‏.‏

2053- قوله‏:‏ ‏(‏عَهِدَ إليَّ‏)‏، أي على طريقهم في الجاهلية في ادِّعَاءِ النَّسَبِ، وإن لم يَثْبُت النَّسَبُ بذلك الطريق في الإِسلام‏.‏

2053- قوله‏:‏ ‏(‏عبد بن زَمْعَةَ‏)‏، هكذا في عامة النسخ- بحذف همزة الإِبن- وعليه الاعتماد، وفي بعضها بإِثباتها، والظاهر أنه عطفُ بيانٍ لا خبر مبتدأ، أي هو ابن زَمْعَةَ‏.‏

‏(‏أنواع الفراش عند الحنفية‏)‏

2053- قوله‏:‏ ‏(‏الوَلَدُ للفِرَاشِ‏)‏، والفراشُ عند الحنفية على ثلاثة أنحاءٍ‏:‏ قويٌّ، ومتوسِّطٌ، وضعيفٌ‏.‏ فالقويُّ ما يَثْبُتُ فيه النَّسَبُ من غير دعوةٍ، ولا يَنْتَفي بالنفي إلا بعد اللِّعان‏.‏ والمتوسِّطُ ما لا يحتاج لثبوت النَّسَبِ إلى دعوةٍ مع انتفائه بالنفي بدون اللِّعان‏.‏ والضعيفُ ما لا يَثْبُتُ فيه النَّسَبُ بدون دعوةٍ، وينتفي بالنفي، ولكن يَجِبُ على المولى دِيَانةً أن يدَّعي نَسَبَهُ إذا عَلِمَ أنه منه‏.‏ والأول‏:‏ فراشُ المنكوحة، والثاني‏:‏ فراش أم الولد، والثالث‏:‏ فراش الأَمَةِ‏.‏ وقالوا‏:‏ إن نَفْسَ النكاح في المنكوحات فِرَاشٌ، فكأن الفِرَاشَ عندهم صار عَلَمًا للنكاح‏.‏

ويَلْزَمُ عليهم إثبات النَّسَبِ فيما إذا نَكَحَ المغربيُّ مشرقيةً، ولم يُفَارِق واحدٌ منهما مكانه، ثم أَتَتْ بولدٍ لستة أشهرٍ مع عدم إمكان العُلُوق منه، وهم يَلْتَزِمُونه‏.‏ وذلك لأن ثبوتَ النَّسَبِ يُبْنَى على ثبوت الفِرَاشِ بالنصِّ، وهو النكاحُ‏.‏ فإذا ثَبَتَ النكاحُ، وأتت بولدٍ في مدَّةٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ منه، يَلْزَمُهُ نَسَبُهُ لأجل الفِرَاشِ‏.‏ واستبعد الشافعيةُ، مع أنهم أقرّوا بأن المنكوحة تَصِيرُ فِرَاشًا بمجرد عقد النِّكاح، ولكنهم شَرَطُوا إمكان الوَطْء، أيضًا بعد ثبوت الفِرَاش‏.‏ فإن لم يُمْكِنْ، كما في الصورة المذكورة، لم يُلْحِقُوا نَسَبَهُ منه لعدم إمكان كونه منه‏.‏

والحديثُ حُجَّةٌ لنا، لأنه جَعَلَ النَّسَبَ تابعًا للفِرَاش، وهو مُقْتَضَى العقل والنقل‏.‏ أمَّا النقلُ، فكما عَلِمْتَ‏.‏ وأما العقلُ، فلأنه ليس على القاضي أن يُحَقِّقَ إمكان المخالطة بين الزوجين‏.‏ أمَّا النكاح، فمبناه على الإِعلان، فلا عُسْرَ في تحقيقه، بخلاف المخالطة، فإن مبناه على السرِّ، وليس عليه تحقيق تلك الأشياء التي قد لا يَطَّلِعُ عليه خواصُّ أهل البيت أيضًا‏.‏ ثم إنه ماذا يكون باشتراط الإِمكان، لاحتمال أن يكونا التقيا في محلَ، ثم لم يُجَامِعْهَا الزوجُ، وأَتَتْ بولدٍ في تلك المدَّة، أو جامعها ولم تَحْمِلْ منه، وزَنَتْ- والعياذ بالله- وعَلِقَت منه‏.‏

فهذه الاحتمالات لا تَنْقَطِعُ أبدًا، وإن تفاوتت قوَّةً وضعفًا‏.‏ فالذي يَدُور عليه أمر النَّسبِ هو الفراشُ‏.‏ وليس على القاضي أن يتجسَّسَ سرائر الناس‏.‏ ثم إنهم غَفَلُوا عن بابٍ آخر‏.‏ ولو نَظَرُوا إليه لَمَا كان لهم فيه محل استبعادٍ، وهو‏:‏ أن الشرعَ أَوْجَبَ على الزوج أن يُلاعِنَ امرأته إذا عَلِمَ أن حملَها ليس منه، فَوَجَبَ عليه اللعان في الصورة المذكورة‏.‏ وإذا شدَّد فيه على الزوج من جانبٍ، خفَّف في ثبوت النَّسَبِ- لأجل الفراش- من جانبٍ آخر‏.‏

وما أحكم وأحسن هذه الوتيرة، لو كانوا يفقهون‏.‏ فإن الحنفية لمَّا رأوا أن الشرعَ قد راعى هذا الجانب في بابٍ آخرَ بنفسه، لم يَزِيدُوا قيدًا آخر من عند أنفسهم، لأنه يُوجِبُ هَدْرَ هذا الباب‏.‏ وبعبارةٍ أخرى‏:‏ إن النَّسَبَ في الصورة المذكورة لا يَثْبُتُ عندنا أيضًا، إلا أن نفْيه عند الشافعية لانتفاء شرط الإِمكان، وعندنا لوجوب اللِّعان، فينتفي منه بعد لِعَانِهِ‏.‏ فإذا تَرَكَ الزوجُ ما أَوْجَبَ عليه الشرعُ بنفسه، فما للقاضي أن لا يُلْحِقَ نسبه منه، فإنه رَضِيَ بالضرر، فأَوْلَى أن يَقْطَع عنه النظر‏.‏

وقد شَغَبَ الناسُ في تلك المسألة، ولم يَفْهَمُوا حقيقةَ الحال، وكيف يَجْلِبُون علينا مع أن إطلاقَ الحديث للحنفية‏؟‏ كما أقرَّ به النوويُّ‏.‏ ولكنَّ الأسفَ أن الحنفيةَ إن أخذوا بظاهر الحديث، يُورَدُ عليهم بأنهم جَمَدُوا على الظاهر‏.‏ وإن نَظَرُوا إلى المعنى، يُطْعَنُ عليهم بأنهم يَتْركُون ظاهرَ الحديث‏.‏ والعجب من الشيخ محي الدين النوويّ رحمه الله تعالى حيث قال‏:‏ إن مذهبَ الإِمام ضعيفٌ، ظاهرُ الفساد، ولا حُجَّةَ له في إطلاق الحديث، لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإِمكان عند العقد‏.‏ اهـ‏.‏ وأقضى العجب من قوله، كيف قال‏:‏ إنه ظاهرُ الفساد، مع إقراره بكون ظاهر الحديث شاهدًا لنا‏.‏ وأمَّا جوابه عنه، فذلك أمرٌ لا يَعْجِزُ عنه الفحولُ‏.‏

ومحصِّلُ الكلام‏:‏ أن الولدَ لمَّا كان للفِرَاش، ولم تكن الوليدةُ ههنا فِرَاشًا لأحدٍ، لم يَثْبُتْ نَسَبُ ولدها من أحدٍ‏.‏ وقال الشافعيةُ‏:‏ إنها كانت فراشًا لزَمْعَةَ، فثبت نَسَبُهُ منه لقوله‏:‏ «الولد للفراش»‏.‏

ثم ههنا بحثٌ، وهو أنه هل يَجُوزُ تخصيص المورد عن عموم اللفظ‏؟‏ والذي يَظْهَرُ أنه لا ضابطةَ له، بل قد يُخَصَّصُ، وقد لا يُخَصَّصُ، حسب ما لَصِقَ بالمقام‏.‏ فلا يُقَالُ‏:‏ إن قوله صلى الله عليه وسلّم «الولد للفراش»، وَرَدَ في هذا الولد، فالمورد هو هذا الولد، ثم أنتم لا تُثْبِتُون نَسَبَهُ من أحدٍ ولا تَجْعَلُون الوليدةَ فراشًا لأحدٍ، فذلك تخصيصُ المورد من عموم اللفظ، مع أن الظاهرَ أن العمومَ إذا وَرَدَ في قصة يَتَنَاوَلُه لا مَحَالَةَ‏.‏ فإنا قد قُلْنَا لك‏:‏ إنه لا كُلِّية فيه، وغرضُ البخاريِّ من ذلك‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أمر كلاًّ منهما ما كان بيِّنًا له، فإن الحلالَ بيِّنٌ والحرامَ بيِّنٌ، فجعله أخًا لعبد على إقراره، وأمر سَوْدَةَ بالاحتجاب لإِمكان عُلُوقه من عُتْبَة‏.‏ فتنزَّه عنه، وذلك طريق استبراء الدين‏.‏ وهل للقافة والشَبَهِ اعتبارًا أو لا‏؟‏ فاعتبره الشافعية شيئًا، وعندنا لا عِبْرَة بهما‏.‏ والشَبَهُ وعدمه عندنا سواءٌ، وهكذا ينبغي‏.‏

2054- قوله‏:‏ ‏(‏سَأَلْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم عن المِعْرَاض‏)‏ واعلم أن صيدَ البندقية حلالٌ عند المالكية، خلافًا للآخرين، لأن رصاصَ البندقية لا تَجْرَحُ، ولكنه يَجْرَحُ من شِدَّة الضرب، فيكون كالوَقِيذِ‏.‏

وقد فصَّلته في صورة رسالةٍ مستقلةٍ حين سألني عنه بعضُ الناس في المدينة المنورة، زادها الله شرفًا‏.‏

باب‏:‏ ما يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَات

ذكر المصنِّفُ في هذا الباب بعضَ الشُّبُهَات ليتوسَّلَ بها إلى نظائرها، ولم يُعْطِ ضابطةً كليةً‏.‏ ولذا قلتُ‏:‏ إن حديثَ «الحلالُ بيِّنٌ‏.‏‏.‏‏.‏» إلخ، جزيلُ المعنى، ولكن للمجتهدين كالشافعيِّ، وقد مرَّ عليه في «الأم» فليراجع، فإن تلخيصَ كلامه عسيرٌ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَرَ الوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ المُشَبَّهَات

أراد الفرق بين الوَسَاوِسِ والشُّبُهَات، لدفع ما كاد أن يَسْبِقَ إلى الأذهان‏:‏ العمل بالوَسَاوِسِ أيضًا‏.‏ فنبَّه على أنه يَعْمَلُ بالشُّبُهَات، فَيَحْتَرِزُ عنها دون الوَسَاوِس، فإِنها لا عِبْرَةَ بها‏.‏

2056- قوله‏:‏ ‏(‏حتى يَسْمَعَ صَوْتًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فهذا الحديث سيِقَ لهَدْرِ الوَسَاوِس، ومعناه‏:‏ أن الرجلَ إذا تَوَسْوَسَتْ نفسه أنه أحدث أو لم يُحْدِثْ، فإنه لا يَعْمَلُ به، بل بالتيقُّن، وهو في سماع الصوت، أو وجدان الريح‏.‏ فسماع الصوت مُكنَّى به، وتحقُّق الحدث، مُكَنَّى عنه‏.‏

الفرقُ بين الكِنَايَةِ والمَجَازِ، والتَّعْرِيضِ

واعلم أنه تعسَّر الفرق عليهم بين الكِنَايَة، والمَجَاز، لم يتنقَّح عند كثيرٍ منهم بعدُ، وقد تعرَّض إليه الزمخشريُّ تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَآء‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ،‏(‏البقرة‏:‏ 235‏)‏ وهو أحْذَقَ في هذا الباب، ولكن قلَّ من أدركه، فقال‏:‏ الكِنَايَةُ‏:‏ أن تَذْكُرَ الشيءَ بغير لفظه الموضوع له، والتعريضُ‏:‏ أن تَذْكُرَ الشيءَ وتَقْصِد غيره‏.‏

وحاصله‏:‏ أن اللفظَ في الكِنَاية لا يَخْرُجُ عن معناه الموضوع له، وإنما التصرُّف فيه أنك تَطْلُبُ له عنوانًا، فتحمله عليه مع عدم كونه موضوعًا له، نحو‏:‏ كثيرُ الرماد، للسَّخِيِّ، فإنك ما أَخْرَجْتَ اللفظ عن معناه الموضوع له، ولكنك حملته على معنىً لم يكن وُضِعَ له، فإنك حملته على السَّخِيِّ، مع أنه لم يُوضَعْ له‏.‏ بخلاف المجاز، فإنه إخراجٌ للفظ عن معناه الموضوع له بالكُلِّية، ثم استعمالٌ له في غير المعنى الموضوع له‏.‏ ففي المَجَازِ تصرُّفان‏:‏ الأول‏:‏ إخراجه عن معناه، ثم استعماله في غير ما وُضِعَ له‏.‏ وبعبارةٍ أخرى‏:‏ أن اللفظَ في الكناية، وإن لم يُسْتَعْمَلْ في معناه الموضوع له، لكنه لا يَخْرُجُ عمَّا وُضِعَ له أيضًا، بخلاف المجاز‏.‏

فقولك‏:‏ كثيرُ الرماد في زيد كثير الرماد، لم يُسْتَعْمَلْ فيما وضِعَ له، لأنه لم يُسْتَعمَلْ لكثرة الرماد، بل السَّخَاء، ولم يُوضَع له، ولكنه لم يِنْسَلِخْ عن معناه أيضًا، بل جعلتَ كثرةَ الرماد عنوانًا للسخاء بنوع استلزامٍ، وإن لم يَكُنْ ذلك عنوانًا له بحسب الحقيقة‏.‏ بخلاف المجاز، فإن اللفظَ يَخْرُجُ فيه عن معناه بالكلية‏.‏

أما التعريضُ فبمَعْزِلٍ عنهما، فإن اللفظَ لا يعخْرُجُ فيه عن معناه، كما أنه لا يكون عنوانًا لمعنى لم يُوضَعْ له، كما في «الكناية»، ولكنه يكون فيه انتقال إلى المعنى المراد من جهة المقام، والقرائن، نحو قولك‏:‏ جِئْتُ لأُسَلِّمَ عليك، وتريد السؤال‏.‏ وهذا الذي أراده الزَّمَخْشَريُّ من قوله‏:‏ الكنايةُ أن تَذْكُرَ الشيءَ بغير لفظه الموضوع له، كما رأَيْتَ في المثال المذكور‏.‏ فإنك أردت السخاءَ من كثرة الرماد، ولم يُوضَعْ له‏.‏ فليس التصرُّف في الكناية إلا بهذا القدر فقط‏.‏ وهذا الذي نعني من قولنا‏:‏ إن اللفظَ في الكِنَايَةِ يكون عنوانًا لمعنى، مع عدم كون هذا العنوان موضوعًا لهذا المعنى، وإنما تَحْمِلُهُ عليه بنوع استلزام، وهذا لا يُوجِبُ خروج اللفظ عن معناه‏.‏

وبعبارةٍ أخرى‏:‏ إن في الكناية يتحقَّق المُكَنَّى به، والمُكَنَّى عنه كلاهما، فلا نُخْرِجُ اللفظ عن معناه‏.‏ فإنك إذا كَنَّيْتَ السخاءَ بكثير الرماد، فكثير الرماد، وإن لم يكن موضوعًا له، لكنه متحقِّق أيضًا، كما أن السَّخَاءَ متحقِّقٌ‏.‏ بخلاف المجاز، فإنه لا يتحقَّق فيه المعنى الموضوع له، ولا يَصْدُق اللفظ على المعنى إلا بالخروج عمَّا وُضِعَ له‏.‏ فيتحقَّقُ في المجاز المعنى المجازي فقط، بخلاف الكناية، فإنه يتحقَّقُ فيه كلاهما‏.‏

الفرقُ في الكِنَايَةِ

عند علماء الأصول، وعند علماء البلاغة

ثم اعلم أن علماءَ الأصول قسَّمُوا اللفظَ إلى‏:‏ صريحٍ، وكنايةٍ، باعتبار استتار مراده ووضوحه‏.‏ فيكون اللفظُ عندهم مستعملا في المعنى الموضوع له، وهو المعنى المراد عندهم‏.‏ بخلاف الكناية عند علماء المعاني، فإن اللفظَ عندهم لا يكون مستعملا في المعنى المراد، بل يكون طريقُ عبورٍ إلى المعنى المراد‏.‏ أَلا ترى أن كثيرَ الرماد لم يُقْصَدْ منه كثرة الرماد في نفسه، بل هو نحو طريق عبورٍ إلى المعنى المراد‏.‏ ومن ههنا تبيَّن كون الكنايات بَوَائِن عندنا، ورَوَاجِع عند الشافعية‏.‏ فإنهم جَعَلُوا الكنايات كناياتٍ على طريق علماء المعاني، فقالوا‏:‏ نحو قولك‏:‏ أنتِ بائنٌ كِنَايةً عن قولك‏:‏ أنتِ طالقٌ، والطلاق منه ليس إلا رَجْعِيًّا، فكذا بأنتِ بائنٌ أيضًا‏.‏

وقُلْنَا‏:‏ إنه كنايةٌ على اصطلاح علماء الأصول، فهو عاملٌ بلفظه، ومُسْتَعْمَلٌ في حقيقته، وحقيقةُ البينونة لا تتحقَّق في الرواجع، فلا تَقَعُ منها إلا بائنة، نعم تتنوَّعُ إلى بَيْنُونَةٍ حقيقةٍ، وغليظةٍ‏.‏ وإنما سَمَّيناها كناياتٍ مع كونها عواملَ بموجباتها، لاستتار المراد لا غير‏.‏ فلا تَفْهَمُ من لفظ‏:‏ أنتِ بائنٌ، إنكِ أيّ البَيْنُونَتَيْن أَرَدْتِ‏؟‏ أَمِنْ أوليائها، أو من الزوج، أو غيرهما‏؟‏ فإذا لم يَنْكَشِفْ مراده سمَّيناها كنايات لذلك‏.‏ فلا فرقَ بين الصريح، والكناية إلا بحَسَبِ وضوح المراد في الأول دون الثاني‏.‏

إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن التوفِّي في الموت كناية أصولية، فهو حقيقةٌ بجتة، لأن معناه أخذ الشيء وافيًا وذلك يتحقق في الموت أيضًا‏.‏ إلا أن العوامَّ لا يُراعون هذه الدقائق، فيفهمون أن لفظ التوفِّي إذا استُعمل في الموت، فكأنه خرج عن معناه الموضوع له، وليس كذلك‏.‏ ولذا قال أبو البقاء في الكُلِّيات»‏:‏ التوفِّي‏:‏ الإماتة، وقبض الرُّوح، وعليه استعمال العامة‏.‏ أو الاستيفاء، وأخذ الحق، وعليه استعمالُ البُلَغَاء‏.‏

واعلم أن ما يدّعيه هذ اللعين أن التوفِّي معناه الموت حقيقةً، فجهلٌ قطعًا، كيف ولا تتمكَّن العرب من أن تَسْتَعْمِلَهُ في الموت بحسب عقيدتهم، وإنّما علَّمه القرآن، فمن تعلَّمه منه‏.‏ قال تعالى في سورة السجدة‏:‏ ‏{‏وقالوا أَإِذا ضَلَلْنا في الأَرْض أَإِنَّا لفي خَلْقٍ جديدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ؛ قُلْ يَتَوَفَّكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏(‏السجدة‏:‏ 10- 11‏)‏، وقد تحيَّر المفسِّرون في وجه الردِّ عليهم، حيث أَنْكَرُوا البعثَ بالموتَ، فردَّ عليهم بالتوفِّي، فما تقريرُ هذا الردِّ‏؟‏ وقد تنبَّه له الشاه عبد القادر، وقرَّرَهُ حسنًا‏.‏ والرازي أيضًا في «تفسيره»‏.‏

وحاصلُ كلماتهما‏:‏ أنهم فَهِمُوا بحسب عقائدهم السيئة، أن الإِنسانَ بعد الموت يَتَلاشَى في الأرض، ولا يَبْقَى من رَسْمِهِ واسْمِهِ شيءٌ، فاسْتَبْعَدُوا البعثَ، لأن المعدومَ لا يَعُودُ عندهم‏.‏ فأخبرهم الله تعالى بحقيقة الموت، لِيَنْهَدِمَ مبناهم الفاسد من الأصل، فقال‏:‏ إن الموتَ ليس إعدامًا كما فَهِمْتُم، بل هو عبارةٌ عن التوفِّي، فَيُؤْخَذُ شيءٌ دون شيءٍ، فالجسدُ يَتَلاشَى إلا عَجْبَ الذَّنَب، والروحُ تَبْقَى، فكان الجُزْءَان مَحْفُوظَيْن عند ربك، ففي الموت استيفاءٌ لا أنه إعدامٌ، فإذا كان الجسدُ والروحُ في حِفْظِهِ هان عليه التركيب ثانيًا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ‏}‏ ‏(‏الأنبياء‏:‏ 104‏)‏‏.‏

فتلك الحقيقة هدى إليها القرآن، ‏{‏وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلآ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 43‏)‏، فأين كان لهم أن يَسْتعمِلُوه في الموت، وإنما اشتهر إطلاقه في الموت من الدورة الإِسلامية، تعلُّمًا من القرآن‏.‏ فليس التوفِّي هو الموت، بل يَحْصُلُ الموت بالتوفِّي‏.‏ ولمَّا كان معناه مفهومًا وحقيقةً، لا عينًا حِسِّيًا لِيُشَاهَدَ، لم يتميَّز معنى الموت من التوفِّي‏.‏

وهذا كما قال قدماء النحاة‏:‏ إن أسماءَ المعاني ليست أمرًا مُبْصَرًا، وكما قالوا‏:‏ إن الأسماءَ إمَّا أسماءُ أشباحٍ، أو أسماءُ أفعالٍ، والقسم الثاني لا يُدْرَكُ بالبصر‏.‏ فهكذا التوفِّي ليس أمرًا مُبْصَرًا، كالقبض في الفِقْهِ‏.‏ فلذا لم يتعيَّن بَعْدُ، فقيل‏:‏ بالقبض حقيقةً، وقيل‏:‏ برفع علائق المالكية، وقيل‏:‏ برفع المَوَانِع، كما سَتَعْلَمُ‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن كم من ألفاظٍ وضعها أهلُ اللغة لدفع حوائجهم، فَيُطْلِقُون، ويُرِيدُون معانيها‏.‏ وإن لم تتفتَّح حقائقها بعدُ عندهم، كلفظ التوفِّي، فإن تعيينَه حقّ التعيين عسيرٌ‏.‏ وذلك لكونه أمرًا معنويًا لا حِسِّيًا‏.‏ نعم اشتهر لفظ التوفِّي الآن في العُرْف في معنى الموت، كالمجاز المتعارف‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن التوفِّي إنما استعمله في معنى الموت القرآنُ لمعنىً راعاه ولحقيقةٍ أراد التنبيه عليها‏.‏ ثم تَوَهَّمَ الآن أنه استعمالٌ عند أهل اللغة، مع أنه لم يَخْطُرْ ببالهم استعماله فيه، وإن كان صالحًا له، وإنما نَوَّره القرآن، فشَاعَ في الموت لهذا‏.‏

ثم لا بأس أن نَذْكُرَ حَلَّ إشكالٍ آخرَ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِن شُبّهَ لَهُمْ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 157‏)‏‏.‏ قال الجمهور‏:‏ الضميرُ في المجهول نائبُ فاعله‏.‏ وقيل‏:‏ بل الجار والمجرور يَقُوم مقام النائب‏.‏ وأنكره السُّهَيْلي، والجمهور‏.‏

قلتُ‏:‏ والضمير فيه عندي راجعٌ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، على خلاف ما قاله المفسِّرُون، فإنهم قالوا‏:‏ إن المرجع هو الرجل المُشَبَّه‏.‏ قلت‏:‏ وليس التشبيه ههنا على حدِّ تشبيه علماء البيان الذي يستدعي مُشَبَّهًا ومُشَبَّهًا به، بل بمعنى التصوير، والتمثيل كما يُقَالُ‏:‏ تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة- على صيغة المجهول- فكما صَحَّ هذا القول مع عدم الطرفين ههنا كذلك، صَحَّ إرجاعُ الضمير في ‏{‏شُبّهَ‏}‏ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏ وتفصيلُه‏:‏ أن زيدًا وشَبَحَهُ، وإن تَغَايَرَا حقيقةً، لكن أهل العُرْف يعتبرونهما واحدًا‏.‏ فنقول‏:‏ صَوَّرْتُ زيدًا، مع أنك لا تُصَوِّرُ إلا شبحه، وصورتُه لا نفسه‏.‏ وكذلك يُقَالُ‏:‏ تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة، مع أنه لا يكون فيها إلا شَبَحُهُ، وصورته لا عينه‏.‏

وحينئذٍ حاصلُ معنى‏:‏ ‏{‏شُبّهَ لَهُمْ‏}‏، أي أُقِيمَ لهم شبح عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏ ولكن لا يُقَالُ فيه في العبارة إلا شُبِّهَ عيسى عليه الصلاة والسلام، لِمَا عَلِمْتَ أنهما وإن كانا مُتَغَايِرَين حقيقةً، لكن تلك الإثنينية لا تَظْهَرُ في اللفظ فالمرجعُ على طريق النحاة هو عيسى إليه الصلاة والسلام نفسه، ومِصْدَاقُه هو الصورة، كما عَلِمْتَ في قولهم‏:‏ تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة، فإن نائبَ الفاعل عند النحاة هو زيدٌ، ولكن مِصْدَاقُه ليس إلا شَبَحَهُ وصورته‏.‏ وكما في قولهم صوَّرْتُ زيدًا، المفعول في اللفظ هو زيدٌ، وأمَّا في المِصْدَاق فليست إلا صورته‏.‏ فكما أن المتحقِّقَ في المثالين هو اثنان، ثم لم تَظْهَرْ الإثنينية في اللفظ، كذلك فيما نحن فيه‏.‏ وهو الذي أراده الراغبُ من عبارته‏:‏ مُثِّلَ لهم، لمن حَسِبُوه عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏ فأظهر فيها الإثنينية في اللفظ، مع كون مراده ما ذكرنا‏.‏ فإنه اعْتَبَرَ التشبيهَ تمثيلا وتصويرًا، كما قُلْنا، ولا تكون فيه الإثنينية في العبارة‏.‏

فالحاصلُ‏:‏ أنه من باب إقامة مثال الشيء مقام نفسه بإِيجاده، لا أنهما كانا موجودين من قبل، فَشَبَّه أحدهما بالآخر‏.‏ فالتصويرُ بابٌ آخر، ومنه «المُصَوِّرُ» من أسماء الله تعالى، أي المُوجِدُ، لا أنه يُشَبِّهُ شيئًا بشيءٍ، وهو قولُ الشاعر‏:‏

أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا، فكأنما *** تُمثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ مَكَانٍ‏؟‏

واعلم أن إبراز الفعل مجهولا للطيِّ إلى الداخل‏.‏ وإخراجه معروفًا لنَشْرِه إلى الظاهر‏.‏ فأبرزه الشاعرُ مجهولا لطيِّ طرفي التشبيه إلى الداخل‏.‏

ثم إن ههنا دقيقةً أخرى، وهي‏:‏ أن شَرْعَنَا قد تحمَّل وجود الكتابيِّ‏.‏ وأمَّا عيسى عليه الصلاة والسلام، فلا يتحمَّل اليهوديةَ والنصرانيةَ بعد نزوله، كما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «أنه يَضَعُ الجِزْيَةَ، ولا يَقْبَلُ منه إلا السيف، أو الإِسلام»‏.‏ فأحاديثُ نزوله عليه الصلاة والسلام ليست في الحقيقة تفسيرًا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ،‏(‏النساء‏:‏ 159‏)‏ فإن محصِّلَ تلك الأحاديث الإِخبارُ بأمورٍ عديدةٍ تَقَعُ في زمانه، وإن تحقَّق لهم المعرفةُ الحقَّةُ في ضمنها أيضًا‏.‏ أمَّا القرآنُ، فهو بصدد إخبار إيمانهم قصدًا دون الإِخبار بإِيمانهم الذي يَحْصُلُ في ضمن هذه الأشياء‏.‏

فإِن قُلْتَ‏:‏ إن القرآن قد أخبر بإيمانهم، مع إخبار الأحاديث أن اليهود لا يؤمنون به، ويُقتَلون مع الدّجّال‏.‏

قلت‏:‏ أمَّا الدَّجالُ فليس من أهل الكتاب قطعًا، ولم نجد في حديثٍ من الأحاديث أنه يدعو إلى التوراة والإِنجيل‏.‏ وأمَّا من اتَّبَعُوه من اليهود، فأيضًا كذلك‏.‏ أن اليهودَ اسمٌ للنَّسْلِ، دون المذهب، فالذين يُقْتَلُون معه لَيْسُوا من أهل الكتاب‏.‏ ثم إيمان أهل الكتاب هذا ليس مما يكون لرجلٍ من الأمة بالنبيِّ، بل هو ما يَحْصُلُ في ضمن أفعاله، وليس ذلك إلا المعرفة‏.‏ وحاصلُه‏:‏ أن إيمانهم به ما كان بالغيب يَنْقَلِبُ إلى الشهادة‏.‏ وحينئذٍ يَعْلَمُون أن الذي آمنوا به هو ذلك، وبعد الشهادة لا يَبْقَى أحدٌ منهم إلا يَحْصُلُ له الإِيمان بالشهادة‏.‏

ثم ما اشتهر على الأَلْسِنَةِ‏:‏ أن دينَ الإِسلام يُبْسَطُ في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام على البسيطة كلِّها، ليس في الأحاديث، والذي فيها‏:‏ أنه لا يَقْبَلُ اليهودية والنصرانية بعد نزوله من حيث المسألة، فَيُنْقِذُ نفسه من أسلم، ويُقْتَلُ من أبى، وهذا أيضًا حيث يَغْزُو نبيُّ الله عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏ وملخَّص الأحاديث‏:‏ أن اليومَ تجري الأديان الثلاثة، فإذا نزل عيسى عليه الصلاة والسلام لا يُقْبَلُ إلا الإِسلام، وحينئذٍ يكون الدينُ كلُّه لله‏.‏ فهذا بيانٌ للمسألة، لا إخبارٌ بما يكون في الخارج‏.‏ فيجوز أن يبقى الكفرُ والكُفَّارُ أيضًا، لكن إن يَبْلُغَ إليهم عيسى عليه الصلاة والسلام لا يُقْبَلُ منهم إلا دين الإِسلام، لا الجزية، كما هو اليوم‏.‏

ويُسْتفَادُ من الأحاديث‏:‏ أن الغَلَبَةَ المعهودةَ إنما تكون في الشام ونواحيه حيث يَنْزِلُ عيسى عليه الصلاة والسلام، وفساد يَأْجُوج ومَأْجُوج أيضًا في هذه الأطراف، والجزيرة الطبرية أيضًا نحو الشام‏.‏

وبالجملة لم نَجِدْ في حديثٍ أن عيسى عليه الصلاة والسلام أيضًا يَدُورُ في الأرض، كدور الدَّجَّال، فلا تكون غلبةٌ موعودةٌ إلا في موضع نزوله‏.‏ أمَّا سائر البلاد، فمسكوتٌ عنها، والله تعالى أعلم ما يكون فيها‏.‏

فهذه عِدَّةُ تحقيقاتٍ أهديناها إليك لتُمْعِنَ فيها النظر، ولا تُسْرِعُ في الرَّدِّ والقَبُول، فإن الإِنسانَ فُطِرَ على أنه إذا عُرِضَ له أمرٌ لم تُسْمِعْهُ أذناه رَدَّه، والله تعالى الملهم للصواب، وإليه المرجع والمآب‏.‏

نَظْرَةٌ أخرى إلى معنى التَّوَفِّي

واعلم أن نسبةَ المفهوم إلى المِصْدَاق قد تكون كنسبة الإِنسان إلى زيد، فإن زيدًا عينٌ مُبْصِرٌ وُضِعَ بإِزائه هذا المفهوم، وهو ذاتيٌّ له‏.‏ وقد تكون كنسبة الضاحك إلى زيدٍ، فإنه خارجٌ عن حقيقته، عَرَضيٌّ له، إلا أنه ذاتيٌّ للحصَّة التي عُرِضَتْ له من الضَّاحِكِيَّة‏.‏ فمن قال‏:‏ إن الضَّاحِكَ عَرَضِيٌّ له، نَظَرَ إلى زيد الكل، ومن جَعَلَهُ ذاتيًا له، نَظَرَ إلى حصة الضَّاحِكِيَّة‏.‏ وهذا معنى ما قالوا‏:‏ إن الكليَّ نوعٌ لحصصه، فإنه وإن كان عَرَضيًّا للكلِّ، ولكنه ذاتيٌّ للحصَّة في الكلِّ من هذا الكليِّ كما أن الضَّاحِكِيَّةَ متحقِّقةٌ في زيدٍ، ولا ريب أن هذا الكليَّ ذاتيٌّ لها‏.‏

فالحاصلُ‏:‏ أن الإِنسانَ، والضاحك وإن كانا مُتَغَايِرَاين مفهومًا، لكنهما متَّحِدَان مِصْدَاقًا‏.‏ وذلك لأن مِصْدَاقَهُمَا لمَّا كان عينًا مُبْصِرًا لم يَتَحَصَّل فيه التَّغَايُر، واتحدا في المِصْدَاقِ‏.‏

هذا في أسماء الأعيان، أمَّا في أسماء المعاني، فلا تَغَايُرَ بين مفاهيمها ومصادقيها، فما هو مفهومه‏؟‏ هو مِصْدَاقُه، والذي هو مِصْدَاقُه هو مفهومُه وحقيقتُه‏.‏ بخلاف أسماء الأعيان، فإن المفهومَ والمِصْدَاقَ فيها مُتَغَايِرَان‏.‏

إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن التَّوَفِّي من أسماء المعاني، فمفهومُه ومِصْدَاقُه واحدٌ‏.‏ فمن قال‏:‏ إن مِصْدَاقَه الموتُ، أو الرفعُ، فقد حَادَ عن الصواب، لأن له حقيقةً ومفهومًا في الخارج، وهو مِصْدَاقُهُ، وهذا المفهوم زائدٌ على معنى الموت، والرفع‏.‏ نعم أينما يتحقَّقُ الموت أو الرفع، يتحقَّق هناك التوفِّي أيضًا لا بمعنى أن الموتَ أو الرفعَ هو التوفِّي، بل بمعنى أنه حقيقةٌ جامعةٌ مع الموت والرفع‏.‏ فهو متحقِّقٌ في هذين بحقيقته التي هي حقيقتُه، وهي زائدةٌ على الموت‏.‏ وتوضيحُهُ‏:‏ أن التوفِّي وُضِعَ للأخذ وافيًا، وهذا المعنى يتحقَّق ويجتمع مع الموت والرفع أيضًا، بمعنى أن الأخذَ يتحقَّقُ في الموت والرفع أيضًا‏.‏ فالتوفِّي له مفهومٌ، وله مِصْدَاقٌ في الخارج، وكذا الموت والرفع، لهما مفهومان ومِصْدَاقان، ومفاهيمُ الكلِّ ومصاديقها مُتَغَايِرَةٌ‏.‏ وليس كأسماء الأعيان، فإنها تَتَغَايَرُ مفهومًا، وتتحد مِصْدَاقًا‏.‏ بخلاف أسماء المعاني، فإن مفاهيمها إذا كانت هي مصاديقها لَزِمَ التَّغَايُرُ بين مصاديقها لا مَحَالَةَ‏.‏

فمن قال‏:‏ إن مِصْدَاقَ التوفِّي والموت، أو التوفِّي والرفع واحدٌ، فقد أخطأ، لأن مِصْدَاقَ التوفِّي هو مفهومُه، وهو متحقِّقٌ في الخارج بحقيقته ومعناه، وهكذا الموت والرفع‏.‏ نعم يُقَالُ‏:‏ إن التوفِّي مجامعٌ للموت أو الرفع، متى تحقَّق الموتُ أو الرفعُ، تحقَّق معه التوفِّي أيضًا‏.‏ فما قاله الرازي‏:‏ إن التوفِّي نوعٌ، والموتَ والرفعَ من جزئياته، كلامٌ ظاهريٌّ‏.‏ أو يكون أراد منه ما قُلْنَا‏.‏ والتحقيقُ أن التوفِّي أمرٌ زائدٌ على معناهما، نعم قد يتحقَّقُ مع الموت، وقد يتحقَّقُ مع الرفع، فله مفهومٌ مُغَايِرٌ، ومِصْدَاقٌ مُغَايِرٌ، إلا أنه لمَّا كان من أسماء المعاني لم يتبيَّن التَّغَايرُ إلا بالاعتبار‏.‏

ثم اعلم أن البليغَ إذ يختارُ عنوانًا، يختاره لمعنى يُرَاعِيهِ ويَقْصِدُهُ، ولا يكون ذلك عنده على طريق البَخْتِ والاتفاق، فتركُ ذلك العنوان إفسادٌ لمعناه المقصود‏.‏ فإذا قال البليغُ‏:‏ إن فلانًا أجاب ربَّا دعاه، أو لبَّى داعي الأجل، أو هلك، أو مات، أو توفِّي، إلى غير ذلك من العنوانات، يريدُ بتلك العنوانات معاني خاصة‏.‏ والتركُ لعنوانه المختار، والنزول إلى الغرض، لا يكون إلا من الجاهل، فإنه إخلالٌ لمراده‏.‏ أَلا ترى أن في قوله‏:‏ أجاب ربًا دعاه من التشريف ما ليس في قوله‏:‏ هَلَكَ‏.‏ فترجمتُه بالهلاك إعدامٌ، وإفسادٌ للمعنى المراد، وهذا هو الفرق بين البليغ والسوقيِّ‏.‏

وهذا معنى ما قاله أبو البقاء في «كلياته»‏:‏ التوفِّي الموتُ، وعليه استعمالُ العامة، وأخذُ الشيء وافيًا، وعليه استعمال الخاصة‏.‏ أراد بذلك أن السوقيَّ لا يُبَالي بالفروق الدقيقة، ولا يُرَاعي المعاني المقصودة، بل يَنْزِلُ إلى الغرض، فَيُنْزِلُ الكلامَ من الأوج إلى الحضيض‏.‏ أما البليغُ، فينظر في الفروق، ويَعْبُرُ العنوانات، ويُرَاعي المعاني المقصودة، ويَحْمِلُ الكلامَ على ما سُبِكَ له‏.‏

وهذا الأمرُ أهمُّ في القرآن، لبلوغه من البلاغة الذروة العليا، فإنه يُؤَدِّي الحقائقَ الغامضةَ في ضمن الألفاظِ المُوجَزَةِ، كما رَأَيْتَ أنه نبَّه على حقيقة الموت من لفظ التوفِّي‏.‏ وكذلك في كل موضعٍ يكون فيه لفظٌ من القرآن، تكون فيه حقيقةٌ مقصودةٌ لا تتأدَّى إلا به، فإذا بُدِّل ووُضِعَ مكانه آخر، فَسَدَ المعنى، وهذا أحدُ وجوه الإِعجاز في القرآن عندي‏.‏ والعلماء ذَكَرُوا إعجازه في الكلام المُرَكَّب، وادَّعَيْتُ إعجازه في المفردات أيضًا، ولقد أَدْرَكْتُهُ أو بعضَه، ولا أقول ذلك إلا بعد الذَّوْق والوجدان، لا بِحَسَبِ الاعتقاد والتقليد فقط‏.‏

ولذا أقول‏:‏ إن ترجمة قوله‏:‏ ‏{‏مُتَوَفّيكَ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 55‏)‏ مميتك، لا يَلِيقُ بمرامي القرآن، فإنه تَرَكَ لفظ الموت قَصْدًا‏.‏ ألا ترى أن اليهودَ كانوا بصدد قتله، وكانوا يُهَدِّدُونه به، فهل يُنَاسِبُه التبشير بالتوفِّي أو الإِنذار بالموت‏.‏ ورَحِمَ اللهاُ الزمخشريَّ حيث كان أعلم الرجال بهذا الموضوع، ففسَّره بقوله‏:‏ مُسْتَوْفي أجلك‏.‏ ومعناه‏:‏ إني عَاصِمُكَ من أن يَقْتُلَكَ الكفار، ومُؤَخِّرُك إلى أجلٍ كتبته لك، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنفك، لا قتلا بأيديهم‏.‏ اهـ‏.‏

فأخذه أولا بمعنى استيفاء، ثم فصَّل ما تضمَّنه لفظ التوفِّي، وجعل الموتَ حَتْفَ أنفه من مراميه‏.‏ يعني به‏:‏ أن التوفِّي تبشيرٌ من عصمته بالقتل، وإيذانٌ بأن الموتَ متى ما يأتي عليه يأتي من جهته تعالى، لا من أيدي هؤلاء الملاعنة‏.‏ ثم قال الزمخشريُّ‏:‏ وقيل‏:‏ يُمِيتُكَ في وقتك بعد النزول‏.‏ فانظر كيف جعل معنى الموت مقابلا لمعنى استيفاء الأجل، مع أنه قد دَرَجَ فيه الموتَ بنفسه من قبل، وذلك لأنه أبقى اللفظَ على مدلوله، وهو استيفاءُ الأجل‏.‏ ثم لفُّ الموت والرفع، وغير ذلك في مرتبة الغرض‏.‏

فالحاصل‏:‏ أنه سلَّم الموتَ في مرتبة الغرض، ومرضَه في مرتبة المدلول‏.‏ ثم قوله‏:‏ «معناه» على حدِّ قولنا‏:‏ «وحاصل الكلام»‏.‏ ولفظ الغرض أيضًا ليس بجيدٍ، فاحفظه‏.‏ وإن عَجِزْت أن تَفْهَمَهُ، فلك العذرُ فإن صيدَ الظباء ليس بهيِّنٍ‏.‏

2057- قوله‏:‏ ‏(‏سَمُّوا الله عَلَيْهِ وكُلُوْه‏)‏، ومرادُه‏:‏ أن احملُوا حالهم على ما يَلِيقُ بالمسلمين، وأَحْسِنُوا الظنَّ بهم، وأتُوا أنتم بما هو سُنَّةٌ لكم، وهو التسميةُ عند الأكل‏.‏ لا أن التسميةَ عند الأكل تُجْزِيءُ عن التسمية عند الذبح، وهذا كمال البلاغة‏.‏ ومن لا يدري مخاطبات البلغاء، يَقَعُ في الخبط‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَرَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا‏}‏ ‏(‏الجمعة‏:‏ 11‏)‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيثُ كَسَبَ المَال

وقد مرّ منا بيانُ الوجه في انفضاضهم، وتركهم إياه قائمًا، فإنه مُسْتَبْعَدٌ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم جدًا‏.‏ ثم إن زُرَارَة بن أبي أَوُفَى، أو مسلم بن يَسَار،- الشك من الجامع- فكان إذا سَمِعَ الأذان وضع المِطْرَقَةَ كما هو، ولم يكن يَضْرِبُها، وإن كان رفعها للضرب‏.‏

باب‏:‏ التِّجَارَةِ فِي البَرِّ وَغَيْرِه

وفي نسخة‏:‏ بالراء المهملة وهي الأقربُ، لأنه بوَّب بُعَيْدَه بالتجارة في البحر‏.‏

2060،2061- قوله‏:‏ ‏(‏إن كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وإن كَانَ نَسَاءً فلا يَصْلُحُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن المُوءَجَّلَ في الفِقْهِ لمَّا كان واجبًا في الذِّمة من الديون والحقوق، والمشارُ إليه لما كان موجودًا سواء كان في المجلس أو لا، ولم يُدْرِكْهُ الناسُ، فَفَهِمُوا أن المُؤَجَّلَ ما لا يكون موجودًا في المَجْلِسِ، وليس بصحيحٍ‏.‏ فالذي لا بُدَّ منه في البيع هو التعيين، أي إيراد العقد على شيءٍ موجودٍ، وإن لم يكن عندهما في المَجْلِسِ إلا في الصَّرْفِ، فإنه يُشْتَرَطُ فيه القبض‏.‏ أمَّا كونه في المجلس، فليس بضروريَ في عامة البيوع، فاعلمه‏.‏

وبعبارةٍ أخرى‏:‏ إن المرادَ بالدَّيْنِ في الفِقْه‏:‏ ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، ولا في بيته، ومن العين‏:‏ ما كان موجودًا، إمَّا في بيته أو في المَجْلِسِ‏.‏ أمَّا القبضُ بالبراجم، فهو شرطٌ في بيع الصَّرْف خاصةً‏.‏ وقد زَعَمَ بعضُهم أن الدَّيْنَ ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، وإن كان موجودًا في بيته‏.‏ وهو خلاف مرادهم، فافهم‏.‏

باب‏:‏ الخُرُوجِ فِي التِّجَارَة

2062- قوله‏:‏ ‏(‏فقال‏:‏ كُنَّا نُؤمَرُ بذلك، فقال‏:‏ تأْتِنِي على ذلك بالبَيِّنَة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قال البخاريُّ أراد عمر التثبُّت، لا أن يُخْبِرَ بخبر الواحد‏.‏ وكذلك في «موطأ مالك» قال عمر لأبي موسى‏:‏ «أمَّا إني لم أَتَّهِمْكَ، ولكني خَشِيتُ أن يتقوَّلَ الناسُ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏ اهـ‏.‏ فَدَلَّ على أنه ليس فيه مسألةُ العبرة بالخبر الواحد، وعدمها، بل أراد مزيد التثبُّت‏.‏ كيف وقد رواه عمر بنفسه عند الترمذيِّ، ولكن لمَّا لم تكن عنده زيادةُ الاستئذان ثلاثًا، أراد أن يتثبَّتها‏.‏ وأخرجها البخاريُّ مُفَصَّلا، وفيه‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم «إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له»‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

حكاية‏:‏ذكر الطبرانيُّ حكايةً في زيادة الثقة‏:‏ أن عالمًا ادَّعى أنها تُعْتَبَرُ على الإِطلاق، وأَنْكَرَهَا آخرُ، فقال من أعوان المُثْبِت واحدٌ، فَقَذَفَهُ بالأحجار حتى دفعه من المسجد‏.‏ فكان المُثْبِتُ إذا لَقِيَ المُنْكِرَ يَسْأَلُه‏:‏ أن الزيادةَ مقبولةٌ أو لا‏؟‏ فَيُجيبُه أمَّا بالحجر والآجُرِّ، فتفيد العلمَ والعملَ كليهما‏.‏

باب‏:‏ التِّجَارَةِ فِي البَحْر

باب‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَرَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا‏}‏ ‏(‏الجمعة‏:‏ 11‏)‏

وأكثرُ أئمة اللغة إلى أن البحرَ يختصُّ بالبحر المالح، وقد وَرَدَ الحديث‏:‏ «بأن تحت البحر نارًا»، مع وجود حاجة السفر فيه‏.‏ وفي مثله تَتَعَارَضُ الأدلة، وتتجاذب الأطراف، فَيَرِدُ النهيُ والإِباحةُ كلاهما‏.‏ أما الذهيُ، فنظرًا إلى المخاوف والمهالك، وأمَّا الإِباحةُ، فبالنظر إلى الحاجات‏.‏ ولذا بوَّب البخاريُّ بجواز التجارة فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومَا ذَكَرَهُ الله في القُرْآن‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي لمَّا ذكرها القرآنُ في موضع الامتنان، فلا يكون إلاّ حقًّا وجائزًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال مُجَاهِدُ‏:‏ تَمْخَرُ السُّفُنُ الريحَ، ولا تَمْخَرُ الريحَ من السُّفُنِ، إلا الفُلك العِظَامُ‏)‏ اهـ‏.‏ قوله‏:‏ «الريحَ»‏:‏ مفعول به، و«السفُنُ»‏:‏ فاعلٌ، وكذلك «الريح» في الجملة الثانية‏:‏ مفعولٌ‏.‏ وحاصل ماذكره مجاهد في تفسيره قوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 14‏)‏ أن شقَّ الريح إنما يَظْهَرُ في السُّفُن العِظَامِ، وإلا فالصِغَار منها أيضًا تَشُقُّهَا عند جريها وسيرها، وإن لم يَظْهَرْ كظهوره في السُّفُنِ العِظَامِ‏.‏ فلا حاجةَ إلى التقييد بالعِظَامِ، فإنه لا ريب في شقِّ الصِغَارِ أيضًا، وإن لم يَظِهَر‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَنفِقُواْ مِن طَيّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 267‏)‏

باب‏:‏ مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ فِي الرِّزْق

2065- قوله‏:‏ ‏(‏لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا‏)‏‏.‏ قلتُ‏:‏ وإنما نبَّه عليه، لأن الصدقةَ الواحدةَ عملٌ واحدٌ، فإذا اشترك فيه متعدِّدٌ، فلعلَّه يُوَزَّعُ أجرها عليهم، ويكون لكلَ منهم بقدر نصيبه من ذلك الأجر‏.‏ فقال‏:‏ إنه ليس كذلك، بل في الصدقة الواحدة أجورٌ بقدر عامليها‏.‏ نعم فيها تفاوتٌ باعتبار أعمالهم، فمنهم من هو خازنٌ، ومنهم من هو مُنْفِقٌ، ومنهم من هو مالكٌ‏.‏ ومن الخازن إلى المالك فرقٌ جليٌّ، فكذلك في أجورهم‏.‏ ولكن يَحْصُلُ لكلَ منهم أجره، لا أنه يُعْطِي ذلك الأجر بنقصِ أجد أحدٍ منهم‏.‏

2066- قوله‏:‏ ‏(‏عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ‏)‏، أي من غير أمره الصَّريح‏.‏ فإنها إذا أَنْفَقَتْ مع منعه إيَّاها، لا يَحْصُلُ لها أجرٌ‏.‏ إنما الأجرُ فيما إذا أَنْفَقَتْ من حَبِّها، مع أنه لم يأمرها زوجُها، وقد عَلِمْتَ أيضًا أنها إن تُنْفِقْ لم يمنعها زوجُها‏.‏

2066- قوله‏:‏ ‏(‏نِصْفُ أَجْرهِ‏)‏‏.‏

‏.‏‏.‏ إلخ، وهذا باعتبار أجر الرجل، فإن أجرَها الأصليَّ بالنسبة إلى أجر الرجل نِصْفٌ‏.‏ أما المرأةُ، فلها تمام أجرها، والتنصيف بالنظر إلى أجر الزوج‏.‏

2067- قوله‏:‏ ‏(‏من سَرَّهُ أن يُبْسَطَ له رِزْقُهُ، أو يُنْسَأَ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ‏)‏، ومعنى السببية بين الصدقة وزيادة العمر‏:‏ أن لأقربائه وذوي رَحِمِهِ دَخْلٌ في وجوده، فإذا خَدَمَهُمْ وتصدَّق عليهم بُورِكَ في عمره‏.‏

والحاصل‏:‏ أن لوجودهم دَخْلٌ في وجوده، فلمواساته أيضًا يكون تأثيرًا في زيادة عمره، بقيت مسألةُ طول العمر، فكلُّها في المواطن التحتانية‏.‏ أمَّا في أم الكتاب، فالأمرُ واحدٌ بلا زيادةٍ ونقصانٍ‏:‏ ‏{‏يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ‏}‏ ‏(‏الرعد‏:‏ 39‏)‏، فالمحوُ والإِثباتُ في موضعٍ، والأجل المُسَمَّى في موضع آخر‏.‏

باب‏:‏ شِرَاءِ النبي صلى الله عليه وسلّم بالنَّسيئَة

2068- قوله‏:‏ ‏(‏الرَّهْنَ في السَّلَم‏)‏، والله تعالى يَعْلَمُ أنه كان هناك سَلَمًا أم لا، فإن الراوي قد يُطلِقُهُ على البيع المطلق بمجرد كون الثمن فيه نَسِيئةً‏.‏